تعمل مكتبة الملك عبدالعزيز العامة على اقتناء مختلف المواد والمصادر والمراجع العلمية التي تفيد الباحثين والمهتمين في مختلف فروع المعرفة، فالمكتبة تضطلع منذ تأسيسها في عام 1408هـ/1988م، بدور رائد في حفظ وحماية التراث الوطني والتراث العربي والإسلامي بشكل عام، وإتاحته للدارسين والمعنيين بالبحث، حيث تذخر بالعديد من المقتنيات الأصلية، والكتب الحديثة والنادرة.
ومن بين الكتب النادرة التي تحويها المكتبة كتاب (عشر سنوات في معرفة الإسلام) الذي يوثق حقبة 1834م – 1844م , ألفه الفرنسي ليون روش, ووضع فيه كل الأحداث والمشاهدات والتجارب التي انخرط فيها من بداياته في الجزائر حتى تم تكليفه بمهمة رسمية تنتهي بمكة المكرمة والمدينة المنورة أثناء فترة الحج, مروراً بتونس وجزيرة مالطا ومصر, وطريق رحلته وصولاً الى الحرمين الشريفين, ثم عودته من ميناء جدة إلى روما ثم الجزائر وباريس.
التحق المؤلف مع مجموعة من الحجاج التونسيين واندمجوا مع إحدى القوافل الكبيرة, وبعد 25 يوماً من مغادرتهم القاهرة وصلوا إلى ينبع البحر.
اللافت في هذا الكتاب النادر, على غير ما تضمنه من وقائع تاريخية مهمة, هو هذا السرد الدقيق للأخطار التي تتعرض لها قوافل الحجاج مع ذكر تصرفاتهم ومشاعرهم, ويفوق كل ذلك هذا الوصف التفصيلي الدقيق للمحطات التي مرَّ بها المؤلف؛ فوصف مدينة ينبع البحر بمساكنها وسكانها وبيئتها وجغرافيتها ومساجدها وزراعتها والدور المهم لمينائها سواء على مستوى قدوم الحجاج أو مستوى التجارة بصلاتها مع مصر عبر ميناءي السويس والقصير.
عند وصوله إلى مشارف المدينة المنورة, عرض المؤلف صورة كأنها متحركة وملونة للمدينة التي تحيط بها الحدائق والبساتين النضرة التي يغلب عليها النخيل, وفي وسطها الحرم النبوي الشريف, وكلما اقترب من المدينة أصبحت الصورة ترصد وتصف بدقة أرجاء المسجد النبوي وأبعاده وأعمدته وصولاً إلى الروضة النبوية الشريفة, كما وصف أحوال المصلين والزائرين وسلوكهم, والمكلفين بمرافقتهم وإرشادهم.
وصف الحرم المكي
يسرد المؤلف مسيرة تطور المسجد الحرام وتوسعته وصيانته بدءاً من الخليفة عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- مروراً بعثمان بن عفان -رضي الله عنه-, والوليد بن عبدالملك (91هـ) والمهدي (160هـ) حتى إعادة بنائه في عام 678هـ .
واصل المؤلف طريقه مع القافلة نحو مكة المكرمة, مروراً برابغ وخليص ووادي جموم, إلى أن توقفوا في وادي فاطمة لارتداء ملابس الإحرام, حيث أفرد المؤلف شرحاً لتلك الملابس ومعانيها الدينية, والابتهالات المتواصلة التي يرددها الحجاج وكيفية تطبيق أحكام الحج ومحطاته, كما رصد نظرة تاريخية عن الحرم المكي والكعبة المشرفة, والحجر الأسود, وبئر زمزم, والسعي بين الصفا والمروة.
أفرد المؤلف عدة صفحات لوصف الحرم المكي وأبعاده ومداخله وبواباته وأعمدته وأرضيته وهندسته والعناية به, ودور المكلفين بإرشاد الحجاج, كما وصف الكعبة وكسوتها والقائمين عليها ومواعيد فتح بابها. وتابع المؤلف سرده للوقفة على جبل عرفات حيث قدر عدد الحجاج بستين ألفاً, والمبيت بمنى ومزدلفة ورجم الشيطان, ثم انتقل إلى وصف “أم القرى” وحيزها المكاني وتلالها ونشاط السكان في عمليات البيع والشراء, وحالة المساكن والشوارع والحوانيت. كما حدد ثلاثة أحياء للمدينة: حي الصفا, حي السويقة, حي باب عمر, مبيناً نوعية ساكنيها وأسواقها, كما كتب عن زيارته لجبل أبوقبيس وجبل النور وجبل ثور وكهفه.
لم يغب عن ذهن المؤلف استكمال مهمته التي جاء من أجلها بهدف التصديق على الفتوى الشرعية الصادرة عن علماء القيروان والأزهر, بخصوص معاهدة تحالف فرنسية – جزائرية فسعى إلى مقابلة محمد بن عون شريف مكة في مدينة الطائف, واصفاً مشاهداته للطريق ومحيطه والأراضي الزراعية ومحاصيلها والبساتين المثمرة حتى وصوله للمدينة .
ذكر المؤلف فحوى المواضيع التي أثيرت, علاوة على مهمته من أجل التصديق على الفتوى, والعناية بأحوال الحجاج القادمين من الجزائر والمغرب وتونس

الأزهار الرياضية
ويشكل الكتاب الثاني واحداً من أندر الكتب الطبية التي تقتنيها مكتبة الملك عبدالعزيز العامة بالرياض، ويمثل الصورة العلمية في مجاله عند صدوره التي تستقي مصادرها وقوانينها ومفاهيمها الطبية مما تتيحه المرجعيات الطبية العربية والعالمية في تلك المرحلة.
هكذا يأتي كتاب (الأزهار الرياضية في المادة الطبية) لمؤلفه علي رياض خوجه الذي صدر عام 1296هـ ، وطبع بمطبعة وادي النيل المصرية (جزآن في كتاب واحد)؛ ليحدد لنا صورة علمية طبية شائقة في عصره، حيث توجه الكتاب إلى الإنسان.
وترتكز منهجية الكتاب على تصنيف الأدوية وترتيبها وبيان خواصها وتأثيراتها ومقاديرها وكيفية امتصاصها، مع ربطها بالنباتات من أعشاب وزهور وفواكه وخضراوات وبقول وبذور وتمور، وكذلك ربطها باللحوم والألبان والسوائل وأنواع المياه، كما يبين الأنواع المندرجة في هذه المنتجات الطبيعية من سكريات وأملاح وأحماض وكلوريدات وفيتامينات؛ وبذلك جاء ترتيب الأدوية ليتم التمييز بين المسكنات والمنبهات والمخدرات والمهيجات والمنومات والملينات والمسهلات والمقويات والموقيئات والسميات والمحمرات والمنفطات والكاويات والمضادات والمدرات والمعرقات والطاردات .
لقد اجتهد المؤلف بتأليف كتاب جامع للمفردات الطبية، متجنباً التطويل الممل والاستطراد الذي لا يضيف أو ينور الفكرة، ومعتنياً بتقديم ما يسكّن آلام المرضى، وتنبيه القراء إلى محاذير الاستعمال، وحثهم على التزود بالمعارف.
