بقلم أحمد سيد، مدير تطوير الأعمال في الشرق الأوسط في شركة أكسيونا لحلول النقل.
عبر تاريخها العريق، أثبتت السكك الحديدية أنها واحدة من أسرع وسائل النقل، وأكثرها كفاءة، وراحة، واستدامة من بين كل وسائل النقل الأخرى. ونتيجة للسعي المستمر نحو الابتكار، ازدادت أهمية دور السكك الحديدية في البنية التحتية للنقل في المدن خلال العقود الماضية. إلى جانب ذلك، لا يمكننا أن ننسى أن السكك الحديدية هي وسيلة النقل البري ذات أقل معدل حوادث وتأثيرها البيئي يفوق في نسبته على الدراجة فقط.
إن اهتمام العديد من مدن دول مجلس التعاون الخليجي بالمترو، والترام، والسكك الحديدية كبدائل نظيفة ومستدامة طرح تحديات جديدة أمام بناء البنية التحتية للسكك الحديدية. ففي دول مجلس التعاون الخليجي، ارتفع معدل التنقل بين المواطنين والمقيمين على حدٍ سواء، من 4.5 مليون في عام 2003 إلى 27 مليونًا في عام 2017. كما نمت التجارة بشكل كبير من 6 مليارات دولار في عام 2003 إلى 140 مليار دولار في عام 2021.
في وقت سابق من هذا العام، أثارت المملكة العربية السعودية دهشة الكثيرين بقولها إنه سيتم إنشاء حوالي 8000 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية الجديدة في المملكة؛ أي أكثر من ضعف شبكتها الحالية. وهو ما سيكون أحد أكثر خطوط السكك الحديدية طموحًا في العالم من حيث الحجم والنطاق، ولكن التحديات المقابلة هائلة بنفس القدر. وتماشيًا مع النمو الإجمالي للمملكة واستجابةً للطلب العام المتزايد على التوسع في خدمات النقل البري، أكدت المملكة على التزامها بتطوير 10،000 كيلومتر إضافية من السكك الحديدية والمترو بحلول عام 2030.
وإلى جانب رغبتها في تعزيز النمو الاقتصادي، فإن أحد العوامل الرئيسية في هذا الالتزام هو طموح المملكة لقيادة المنطقة في مجال الحد من انبعاثات النقل، وتخفيف الازدحام المروري، وتحسين صحة السكان ونوعية الحياة، ونزع الكربون تدريجيًا عن النقل بالسكك الحديدية كجزء من خارطة طريق المملكة نحو تحقيق صفر انبعاثات كربون بحلول عام 2060.
هذا وقد بدأت الرياض مشروع مترو الرياض في عام 2014 وسيضم ستة خطوط مترو و85 محطة مترو وسيمتد لمسافة إجمالية تبلغ 176 كيلومترًا. ومن المتوقع أن يخدم مشروع مترو الرياض 3.6 مليون مسافرًا يوميًا بمجرد الانتهاء منه بالكامل.
كما يتم تطوير مشروع ضخم آخر في المنطقة ألا وهو “مشروع الجسر البري السعودي”؛ وهو واحد من أكبر المشاريع في المنطقة باستثمارات تقدر بأكثر من 20 مليار دولار. ويتضمن المشروع بناء أكثر من 1000 كيلومتر من خطوط السكك الحديدية الجديدة بين جدة والمنطقة الشرقية، وخط آخر يبلغ 115 كم بين الدمام والجبيل. وسيتم توقيع عقود المشروع في غضون عام، وسيستغرق تنفيذه من 5 إلى 7 سنوات. ويعتبر هذا المشروع أهم مشروع في المملكة حيث سيمثل نقلة نوعية في قطاع الخدمات اللوجستية عند اكتماله.

وقد انطلق مشروع ضخم آخر في المملكة، نيوم، والذي تبلغ قيمته 500 مليار دولار، في شراء حزم مختلفة لسكك حديدية عالية السرعة ضمن مشروع “ذا لاين”. ولن يكون بالمدينة الخطية التي يبلغ طولها 170 كيلومترًا سيارات أو شوارع، حيث يعيش جميع السكان على بعد خمس دقائق سيرًا على الأقدام من المرافق الأساسية. إنها مدينة المستقبل. وهي حاليًا في مرحلة التطوير في المملكة ومن المتوقع الإنتهاء من إنشائها الطموح في عام 2025.
تساعد مثل هذه المشاريع المملكة على تحقيق أهداف رؤية 2030، مع كون النقل محركًا رئيسيًا للنهضة الاقتصادية التي ستحدث مع ابتعاد اقتصاد المملكة عن اعتماده على النفط.
ولدينا أيضًا مثال في مدينة دبي؛ حيث أقرت إمارة دبي، وقبل إنشاء هيئة الطرق والمواصلات (RTA) في عام 2005، حاجتها إلى نظام سكة حديد للتخفيف من مستويات حركة السيارات المتزايدة ودعم التنمية الحضرية المستمرة، وكان هذا بناءً على الدراسات التي بدأت في عام 1997. افتتحت المدينة شبكة المترو الخاصة بها في سبتمبر 2009، لتصبح أول شبكة مترو حضرية تعمل في دول الخليج العربية ويتم تشغيلها بالكامل من قبل هيئة الطرق والمواصلات.
سيثبت استخدام الابتكار في قطاع النقل في الخليج أنه ذو أهمية كبيرة في مواجهة التحديات لتلبية الاحتياجات المتزايدة للسكان؛ حيث تعتبر وسائل النقل الذكية جزءًا مهمًا جدًا من نمو المنطقة وتطورها لإعداد المنطقة للتحديات الجديدة في حقبة ما بعد النفط. ونرى أن التعرف على أفضل الممارسات العالمية والاستفادة من الخبرات الدولية يلعب دورًا مهمًا في التنمية المستدامة، لا سيما في ظل التحول نحو اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار. وفي أكسيونا، لدينا أكثر من 100 عام من الخبرة في إنشاء البنية التحتية للسكك الحديدية، وقد تركنا بصماتنا على مئات المشاريع حيث شيدنا أكثر من 3000 كيلومتر من السكك الحديدية، وأكثر من 100 محطة ومنشأة، وأكثر من 600 كيلومتر من الأنفاق. بمعنى آخر، أكثر من 35.3 مليون مسافر سنويًا.
في العام الماضي، حصلنا على أعلى شهادة عالمية للاستدامة لإنشاء “مسار 2020” بمترو دبي، مما يجعل الامتداد الجديد لنظام النقل في دبي أكبر مشروع نقل ذهبي في العالم معتمد من “نظام الريادة في تصميمات الطاقة والبيئة LEED”. ويعني التزام أكسيونا بالاستدامة أنها تسعى باستمرار إلى تقليل الآثار البيئية والكربونية في مشاريع البناء التي تقوم بها. إن “ليد” هو المعيار البيئي الأكثر استخدامًا في البناء، حيث يوفر إرشادات محدثة حول أفضل الممارسات لكيفية بناء بنية تحتية صحية، وموفرة للطاقة، ومقاومة للمناخ. ولزيادة كفاءة الطاقة وتقليل التأثير البيئي لمسار 2020 بمترو دبي، قامت أكسيونا بتحسين أنظمة التبريد، وتركيب ألواح شمسية للطاقة، ومواد عازلة للجدران الخارجية وكسوة الأسقف، إلى جانب أشياء أخرى. يبلغ طول “مسار 2020” لمترو دبي 15 كيلومترًا منهم 11.8 كيلومترًا فوق سطح الأرض ونفقًا بطول 3.2 كيلومتر و7 محطات جديدة.
مما لا شك فيه أن تطوير البنية التحتية للسكك الحديدية يسير جنبًا إلى جنب مع التنمية، والتكنولوجيا، والاستدامة. وتستحوذ دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية على جزء كبير من مشاريع السكك الحديدية قيد الإنشاء في دول مجلس التعاون الخليجي بقيمة 69 مليار دولار. بعبارة أخرى، إن الانتقال للنقل باستخدام السكك الحديدية هو انتقال إلى الطاقات المتجددة وتطور نماذج التنقل الجديدة. والسبب في ذلك بسيط للغاية: إن اتحاد الاستدامة، والأمان، وكفاءة الطاقة لا يمكن تحقيقه في وسائل النقل الأخرى. ولأن المدن المؤلفة من بنية سكك حديد تحتية جيدة التطور وجيدة الصيانة يمكن أن تتطور من خلال انتقال الأفراد والسلع والشركات السلس.
