نظم مركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية الندوة الدولية العاشرة بعنوان: ظاهرة الشذوذ الجنسي: قراءة واستشرافاً، تشخيصاً وعلاجاً، وقد عُقدت جلساتُها عن بُعد في ثلاثة أيام متتالية، وذلك في أيام السبت والأحد والاثنين 28-29 جمادى الثانية – 1 رجب 1444هـ الموافق 21-23 يناير 2023.
استهلت الندوةُ بآيات قرآنية قدمتْ جملة من الهدايات الربانية في سياق موضوع الندوة من وجوه رئيسة، ثم ألقت الرئيسة العامة للمركز سمو الأميرة الأستاذة الدكتورة سارة بنت عبدالمحسن بن جلوي آل سعود كلمة مفتاحية، أكدت في مستهلها تعقد الظاهرة وتركيبها وغموضها وخطورتها، بما دعا المركز إلى تخصيص ندوة دولية تعالج مختلف أبعادها، وقد حذرت في ثنايا الكلمة من مغبة الاستغناء وآثاره الوخيمة، انبثاقاً من قوله تعالى: (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى)، ودعتْ إلى ضرورة التفعيل المستمر لحركة البحث العلمي الرصين، مع بذل الوسع لتعزيز التعاون والشراكة والتكامل لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة على مختلف المستويات.
وإثر هذه الكلمة الضافية، ألقى الأستاذ الدكتور عبدالله بن عبدالرحمن البريدي كلمة اللجنة العلمية في الندوة، حيث أبان عن بعض الحيثيات لعقد هذه الندوة، مشيراً إلى محاورها، وقد أوضح أن اللجنة استقبلت واحداً وخمسين ملخصاً بحثياً، وبعد إخضاعها للتحكيم وفق الاشتراطات البحثية للندوة قُبل منها تسعة وعشرون ملخصاً بنسبة قبول 57%، ثم أعيد تحكيم الأوراق الكاملة فقُبل منها بشكل نهائي عشرون بحثاً بنسبة قبول 39%، وقد تنوعت الحقول المعرفية لتشمل: العلوم الإسلامية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم النفس الاجتماعي والتاريخ والقانون والاقتصاد وعلم الأحياء.
وقد جاءت هذه الأوراق من خمس دول، وهي: المغرب بسبعة أبحاث، السعودية بستة أبحاث، الجزائر بخمسة أبحاث، مالي وتايلاند ببحث واحد لكل منهما، ثم شرع مقدم الندوة الدكتور محمد كوجيلي بتقديم برنامج الندوة وفق إطاره المحدد، حيث قام بتقديم الأساتذة الذين يتولون رئاسة الجلسات، تباعاً وذلك وفق البرنامج.
في اليوم الأول عقدت جلستان، حيث خصصت الأولى للمحور الأول وترأسها الأستاذ الدكتور عبدالغني قزبير من المملكة المغربية، وسعت لتقديم مقاربات تفسيرية وتوصيفية في إطار محور: قراءة ظاهرة الشذوذ الجنسي واستشرافها، ونهضت الثانية للتصدي المحور الثاني في الندوة المتمحور حول: الأفكار والأنساق والظواهر ذات العلاقة بالشذوذ الجنسي، وترأسها الأستاذ الدكتور حسن الذبياني من المملكة العربية السعودية.
وفي اليوم الثاني واصلت الندوة جلساتها، حيث خصصت الجلسة الثالثة لمحور الأبعاد النفسية والاجتماعية والقانونية والاقتصادية والطبية والسكانية والبحثية لظاهرة الشذوذ الجنسي، وقد ترأسها الدكتور أحمد موسى بدوي من جمهورية مصر العربية، وأما الجلسة الرابعة فقد جهدت لتناول محور جهود الدول العربية والإسلامية في مقاومة الشذوذ الجنسي، وقد أدارها الأستاذ الدكتور عبدالله البريدي من المملكة العربية السعودية.
وفي اليوم الثالث، عقدت الجلسة الخامسة التي سعت لتلمس علاج ظاهرة الشذوذ الجنسي، وهو المحور الخامس في الندوة، وقد سير أعمالها الأستاذ الدكتور لخلافه متوكل من المملكة المغربية.
هذا وقد خُصص عقب كل جلسة علمية وقتٌ كافٍ للمداخلات والنقاشات، حيث أثرى الحاضرون من السيدات والسادة الأوراقَ بمقترحاتهم وأفكارهم وملاحظاتهم في سياقات حوارية هادئة رصينة، ضمن مداخل علمية متنوعة ومقاربات بحثية عديدة، مما كان له أثرٌ إيجابيٌ في الإنضاج والتسديد، بما يحقق الأهداف المتوخاة من عقد هذه الندوة العلمية الدولية.
وبعد طرح الأوراق البحثية والتداول حولها في الجلسات العلمية الخمس، انتهت الندوة إلى باقة من النتائج المهمة، ومنها:
- التذكير المستمر بأن حكمة الله تعالى البالغة اقتضتْ إيجادَ منظومةٍ دينية أخلاقية متكاملة، تضمن بقاءَ المجتمعات واستمرارَها ونموها وتماسكها وتكافلها؛ مما جعلها تُحصّن الأسرة وأفرادها بباقة من المبادئ والآداب والحقوق والواجبات في قالب متوازن عادل وإطار تكاملي شامل، يوافق الفطَرَ السليمة ويحافظ عليها وينمّيها ويثمّرها في ميادين الأفكار والسلوك، وتعد هذه المنظومةُ الربانية أساسَ المعالجة لظاهرة الشذوذ الجنسي من جهة بنائية تأسيسية، ومن جهة تقويمية علاجية.
- التأكيد على ضرورة الاستخدام الدقيق للمنظومة الاصطلاحية، وذلك لخطورة الاصطلاحات في تكوين الأفكار والاتجاهات في الحياة المعاصرة، مما يقضي بوجوب استخدام مصطلح “الشذوذ الجنسي” للتعبير عن الانجذاب الجنسي غير الطبيعي لأفراد من نفس الجنس وأي ممارسات جنسية شاذة أخرى، والحذر من استخدام مصطلح “الـمثلية الجنسية” أو أي مصطلح ضبابي آخر، حيث يمارس تطبيعاً مفاهيمياً ونفسياً وثقافياً خطيراً مع ظاهرة الشذوذ الجنسي الشنيعة.
- إجراء دراسات شرعية ونفسية واجتماعية وتربوية واقتصادية وفلسفية عابرة للتخصصات، تستهدف التحديد الدقيق للعوامل التي يمكن أن تشكل فكر الشذوذ الجنسي ونسقه وسلوكه.
- ضرورة سعي الدول العربية والإسلامية لإدماج أحكام الإسلام الخاصة بالشذوذ الجنسي، وإطاره الديني والأخلاقي والفقهي والقانوني والسلوكي، في المقررات الدراسية في المراحل المختلفة بشكل ملائم كماً ونوعاً، مضموناً وأسلوباً، حماية للناشئة من انتشار ظاهرة الشذوذ الجنسي وأفكارها ورموزها وممارساتها البشعة.
- توعية الأسر والطلاب بمخاطر تعرضهم لحملات ترويجية لظاهرة الشذوذ الجنسي وتغيير الجنس وكل ما يرتبط بهذه الظاهرة، عبر الأفلام والدعايات والبرامج الحوارية وشبكات التواصل الاجتماعي، والسعي لإيجاد حوارات ومنصات تربوية فكرية علمية؛ في سياقات أسرية وتعليمية وإعلامية هادفة، تلائم مختلف الشرائح الاجتماعية، مع الإفادة من طروحات علماء الشريعة والاجتماع والنفس والأحياء والطب في التوعية والتحذير من آفات هذه الظاهرة الخطيرة.
- ضرورة العمل على مراجعة المدونات التشريعية في البلاد العربية والإسلامية، بغية تطويرها والسعي لإكمالها بمنظومة قانونية مربوطة بآليات وإجراءات فعالة، من شأنها اجتثاث الأفكار والاتجاهات المسوِّقة لظاهرة الشذوذ الجنسي والمجذرة لسلوكياته الشنيعة، وتشديد باب العقوبات في هذا المجال.
وفي الختام، يقدم مركز الأمير عبدالمحسن بن جلوي للبحوث والدراسات الإسلامية الشكر الجزيل للدول العربية والإسلامية على جهودها التراكمية الخيَّرة في مواجهة هذه الظاهرة الخطيرة في المحافل الدولية بشتى الطرق والأساليب، مع تثمين خاص للدور القيادي الطليعي للمملكة العربية السعودية في هذا السبيل؛ بمكانتها الدينية والسياسية والاقتصادية وقوتها الناعمة، والله الموفق لكل خير ورشاد.
