المملكة.. السوق الأول للشعر العربي

حظيت أرض المملكة بالشواهد الأدبية المطلّة على التاريخ والثقافة، الفائضة بجداول المعنى العذب وربيع اللغة الشاعرية؛ فحين كانت الأمم تتبضع حاجاتها من الأسواق، صدح العرب من أعماق أسواقهم بأزكى القصائد؛ لتبقى منبراً شامخاً يستقر في أنحاء مختلفة من الوطن، تستذكرها الأذهان تزامناً مع “عام الشعر العربي 2023”.

وتنتقل العرب قديماً من عدة مناطق إلى الأسواق الموسمية المشهورة، بوصفها معرضاً للفصاحة والبلاغة، ومنصة لإلقاء النظم والنثر، تسير بها الركبان وتذاع بين الناس، بيد أن “سوق عكاظ” تصدّر المشهد الثقافي قبل الإسلام، وفسّرت المراجع تسميته؛ بأَن العرب كانت تـجتمع فـيها فـيَعْكِظ بعضُهم بعضاً بالـمُفاخَرة أَي يَدْعَك”، وقَصده عدة شعراء مثل عمرو بن كلثوم، وطرفة بن العبد، ويستهل من أول شهر ذي القعدة حتى اليوم العشرين، في شمال شرقي مدينة الطائف.

وشهدت هذه الأسواق، وفود المحكّمين لتقييم المادة الشعرية والحكم بين المتنازلين شعراً، ومن أشهرهم النابغة الذبياني حيث تُنصب له قبة حمراء من أدم وهي الخيمة من جلد مدبوغ في عكاظ، ويحتكم له الشعراء، وقد ألقى عليه العديد من الشعراء قصائدهم مثل: الأعشى وحسان بن ثابت، وكذلك الخنساء التي أنشدته قصيدة من ضمنها: “وَإِنَّ صَخْرًا لَتَأْتَمُّ الْهُدَاةُ بِهِ.. كَأَنَّهُ عَلَمٌ فِي رَأْسِهِ نَارُ”.

ومن الملتقيات الشعرية العربية القديمة، سوق المشقر في الأحساء الذي ينطلق في أول شهر جمادى الآخر، وتناوله شعراء ما قبل الإسلام بوفرة؛ لأبعاده التاريخية والاجتماعية، وقد تميز الموقع بالنخيل والمياه والمزارع، وتطرق له الشاعر امرؤ القيس في قصائده، إلى جانب لبيد بن ربيعة، وعُرفُطة الأسدي، فيما اكتسحت الأسواق المعروفة جنبات المملكة، مثل: سوق حجر اليمامة؛ الذي دلف إليه الشاعران جرير وذي الرمة.

ومع تسمية وزارة الثقافة عام 2023م بـ “عام الشعر العربي” تستحضر الذاكرة مواقع الشعر الناضبة باللغة والأدب، وتتوهج مجدداً وتضاء دروبها بالأبيات الثمينة والخالدة، ولذلك صرح سمو وزير الثقافة الأمير بدر بن عبدالله بن فرحان آل سعود في هذا السياق بقوله: “بلادنا أرض الشعراء الذين خُلدت مسيرتهم في تاريخ العرب منذ آلاف السنين، سواءً شعراء عصر ما قبل الإسلام أو شعراء عصر صدر الإسلام وما بعده؛ فالشعر اقترن بالعرب وبثقافتهم، وشكل مصدراً للوثائق التاريخية التي اعتمد عليها المؤرخون والباحثون لرصد الأحداث التاريخية”.